الرئيسية / الرئيسية / برومثيوس العربي..سارق الحكاية

برومثيوس العربي..سارق الحكاية

الدكتور اليامين بن تومي

 

 

 

 

من أين لواسيني الأعرج كل تلك القدرة على الحكاية وصناعة الرواية؟

لا شك أن شيئا ما فوق طاقة البشر من يوحي إليه في حالة جنون قاسية تلك النُّصوص المختلفة ،أمر يدعو للحيرة ، فالكاتب يَخرجُ علينا مرة ببحوثه التاريخية و النفسية في شكل ما يسمى رواية ،تَتفصَّد عنه الحكاية بشكل عجيب،تتناسخ صفحاتها بانسيابية مُريبة تترك القارئ يطرح سؤالا عميقا. من أين له بتلك القدرة الرهيبة على الكتابة؟

لا شك أن المسألة تتجاوز الموهبة إنها عبارة عن وحي/إلهام يتقطَّعُ،يتفصد في شكل عَرقِ الحُمَّي ، يَسِيل لُعاب الوحي ليكتب سارق الحكاية ما تجود به الرغبة .المسألة لا تتعلق بكاتب عاشق فقط ،بل باصطفاء لكُتَّاب الوحي ،هل فعلا أن واسيني من كتاب الوحي / الحكاية؛الوحي الذي تهبه الآلهة وتصطفي له من تشاء ،فهي شكل من الاختراق القاسي والمدهش للملكوت الذي يهب من يشاء الإناث ،ويهب من يشاء الذكور ،ويبدو أن الشاعر كان محقا حين قال :

إني وكلّ شاعرٍ من البشر
شيطانُه أنثى وشيطاني ذَكَرْ

يبدو أن واسيني قدره الحكاية /الأنثى ،المتمردة تحكي على لسانه ما لم يقع على الأرض ذلك أن الأنثى هي بطن الحكاية ،بل هي “كليوس” /ربة الذَّاكرة ،وهبته كل عشقها ،ذهبت به إلى حدود الغواية ،بل علمته فنون العصيان بالقلم ،علمته مالم يعلم ،حين كان صغيرا حَشَته بقصص كثيرة عن جده المورسكي”الرُّوخو” و جدته “حنا” التي تمنته أن يكون فارسا يتهجى الأبجدية العربية ليعيد مرة أخرى الأندلس خضراء كما كانت ،تلك الجدة التي رمت به إلى هناك حيث “بيت الله” يلتقط الحكمة ،وهناك تتحرك اللذة دفعة واحدة ،ويتحرك سارق الشعلة /برومثيوس الطفل؛ يخطو بلهف شديد ليأخذ الحكاية كلها ،يسرقها في شكل القوة.

وهنا يحكي واسيني كيف أنه رأي في رفِّ مكتبة الجامع الصغير مجلدا مذهبا خطف بصره  فقرر أن يسرقه ليُلبِّي رغبة جدته في حفظ القرآن ، وبعد مدة طويلة اكتشف أنه لا يحفظ القرآن بل يحفظ كتاب” ألف ليلة و ليلة ” فيأخذها كتابا واحدا يتعبد به لياليه و نهاره ،الكتاب الذي فتح عقل المريد على علم الملكوت كله ،كان السارق يخفي عن أعين الناس مالا يمكنهم فهمه، وحده المتدرج في سلم العشق يفهم أن الوصول إلى المنتهى يقتضي منه كتمان السر ،هناك فقط وحيدا في زاوية البيت ، في كوخ “زيودوسرا” الرجل الصالح بدأ الفتي يسمع كلام الآلهة ،بدأت الحكاية تدخل في شكل عقيدة ،تتسلل في شكل قدر كلي غير مجزوء، هناك تعرف الفتي على الشكل و الكيفية ،و عبد الحكاية حدَّ الثمالة ،سكر على أنغامها حتى تكَشَّفَت له وهو السارق؛ أن الكتاب سرق طفولته ،تأكد له أن لعبة المعبد دارت عليه ،أن العشق اللَّدُني كان مجرد رحلة بصرية ،جعلت تتخزَّنُ بالقوة لتتحرك بشكل فضيع، تلك القوة في شكل مقاطع صغيرة بدأت منذ المحاولات الأولى و إلى آخر ما سيأتي ،ليعيش الرحلة كما اشتهته الحكاية ،قدر سارق الشعلة أن يعيش غيره على نورها و يعيش هو يبحث عن كيفية بقائها .

تلك اللحظة الطفولية التي أثارتها الدهشة لتمتد اليد جهة النار التي ستوقد قدر الحكاية المتعددة ،تلك الحكاية التي لم تهدأ و ما زالت تشتعل إلى الآن .و التي أضرمت سعيرها في كل المحيطين به ،تماما مثل لاعبي”أولمبوس” يتعاقبون على حمل مشعل النار /الحكاية فلكل نار ما بعدها .

عن admin

2 تعليقان

  1. قراءة نقدية إبداعية . اخشى أنها حجبت (واسينى) عنى أنا الذى لم أقرأ قصته وكنت فى عوز لأن ألم بها ولو مؤقتا عبر الناقد ؛ لا أن أغرق فى ذاتيته وشاعريته الخاصة ., خدمة هى الأحرى بأن تقدم وصفيا وموضوعيا وقيميا )(أكرر وقيميا) خدمة جلى لصفحة العزيزة رشا غانم على صفحة نقاد الأدب فى الوطن العربى.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

أثبت أنك بشر .. هههه *