الرئيسية / اكاديميا / تقديم الروايات الفائزة بجائزة آسيا جبار

تقديم الروايات الفائزة بجائزة آسيا جبار

حميد بوحبيب

كشفت جائزة آسيا جبار عن أسماء الفائزين البارحة في حفل بهيج .
الرواية الفائزة بالجائزة المخصصة للعربية كانت من نصيب الروائي الفذ مرزاق بقطاش ، برواية عنوانها المطر يكتب سيرته .
الرواية الفائزة بالجائزة المخصصة للأمازيغية كانت من نصيب الروائي الشاب مصطفى زاروري بروايته الموسومة( اذواڨي إذ آسيرم ايو) .
أما الرواية الفائزة في اللغة الفرنسية فهي من نصيب المرحوم نور الدين سعدي عن روايته الموسومة ( le boulevard de l’abime) .
كلمة عن الروايات الفائزة :
المطر يكتب سيرته رواية تنبش الذاكرة بطريقة شاعرية و سينمائية قلما نجدها في الروايات الجزائرية …لغتها راقية و لكن دون تهويمات شعرية ولا زخارف مجازية زائدة . اعتمد فيها بقطاش تقنيات الاسترجاع عن طريق دفتر يوميات ،و كذا عن طريق أرشيف سينمائي على شكل أشرطة يتركها واحد من أبطال الرواية في صندوق عتيق …
العنوان ( المطر) مستمد من اسم الفيلا التي تقع على الشاطيء ، ورثها سي فرحات عن صديق فرنسي منذ الخمسينيات …و هي محل أطماع مافيا العقار في التسعينيات …كما هي ملجأ لمحمود، أستاذ في المعهد العالي للفنون الجميلة (مهندس معماري) .و ابنه نسيم طالب في معهد الفنون ، يهربان من الإرهاب خاصة بعد مقتل مدير المعهد و ابنه ( الإشارة واضحة إلى الراحل عسلة و ولده الذين قتلهما الإرهاب في ساحة المدرسة العليا للفنون ) .
تتقاطع في الرواية هواجس عديدة ،: الإرهاب واغتيال الفن و الفنانين ،الذاكرة الاستعمارية من خلال حكاية فرحات و علاقته بفاليريان
و بليز و لوسيان و اوريليان …و قصة عشقه الدفين الافلاطوني لفاليريان التي تنتهي في مصحة و تذوي شيئا فشيئا …و كذا هاجس مافيا العقار و جشعهم و محاولة الاستيلاء على الفيلا، التي يمكن أن نرى فيها رمزا عاما للجزائر ..الخ
مرزوق بقطاش بهذه الرواية حقق نقلة نوعية في مساره الروائي ،ليصل إلى كتابة رزينة ، و لغة شفافة تجمع بين حرارة السرد الحميم و عمق التحليل النفسي و الروية و الدقة ، إذ نجدها خالية من الثرثرة و الإطناب و الخواطر المتشاعرة التي تملأ كثيرا من النصوص المعاصرة .
فهنيئا لمرزاق بقطاش هذا التتويج .
الرواية الأمازيغية : ( اذ واڨي إذن آسيرم إيو) أسرتني بلغتها السلسة ، فخلافا للروائيين الأمازيغ اليوم ،استطاع مصطفى زاروري أن يجعل اللغة القبايلية اليومية لغة فنية ،دون أن يثقلها بالألفاظ الأمازيغية المستحدثة . فضلا عن ذلك ، استعمل لهجة منطقته( آث لعزيز – البويرة) ،و برع في توظيف الموروث الشفوي المحلي ، ليقدم لنا حكاية طفل يدعى علي ، يواجه هو و عائلته عقبات الحياة ( الفقر ، التهميش ، ظلم ذوي القربى ، الإرهاب …) من مكان إلى مكان عبر رحلة البحث عن الأمان في مناطق عشش فيها الإرهاب ، يواجه الطفل مصيره ، و يبني شخصيته شيئا فشيئا .
يمكن تصنيف الرواية ضمن ما يعرف عند الألمان
Bildungsroman
أي رواية البناء ، فعلي في البداية يبدو تلميذا اقرب إلى البلاهة ، لأنه ابتلي بمعلم شرس و سادي يسومه كل انواع الإهانة و القهر ، … يوما ما يسأله المعلم : ماذا تريد أن تصبح في المستقبل ، ؟ فيجيب : اريد ان اكون طيارا ، هذا هو حلمي ( عنوان الرواية) …طبعا سيسخر منه الجميع ….لاحقا ،بفضل الدرويش ( مجنون القرية) (وراءه حكاية أخرى لن تحميها لكم هنا ) سيتعلم الحساب و يتفوق فيه ، و يستعيد ثقته بنفسه …الخ
هنيئا للروائي الشاب و مزيدا من الإبداع .
الرواية الثالثة : المرحوم نور الدين سعدي ، التي ذكرتها أعلاه ، رواية رائعة جدا ، خاصة في بنيتها و لغتها الراقية .
للتنبيه ، مثلما أكدت ذلك السيدة نجاة خدة ، رئيسة اللجنة ، التي اشتغلت معها طيلة أكثر من شهر ، حين قررنا في اللجنة تتويج هذه الرواية ، كان المرحوم نور الدين مايزال على قيد الحياة .. . و لم نعرف بخبر وفاته الا يوما بعد القرار …و لسوء الحظ ، لم نتمكن حتى من إبلاغه بخبر فوزه ….السكينة لروحه و الصبر لذويه ، فقد فقدنا فيه قلما مميزا و إنسانا نبيلا .
الرواية ، تنفتح على تحقيق بوليسي لمفتش في شقة باريسية يحاول إعادة بناء المعطيات لفهم سبب مقتل هذه السيدة , هل هو انتحار ام اغتيال …! ثم يسافر بنا السارد في تلافيف الذاكرة ،لنبحر في ماضي السيدة الراقية ، لتعود إلى قسنطينة و ذكريات العائلة في زمن الاستعمار ، مع جانب خاص لحكاية عشق تراجيدية ….و على مر التحقيق تلتقي ذاكرة المفتش الفرنسي ( الذي كان مجندا في الحرب) بذاكرة الضحية …و تنتج توترات تاريخية وجدانية رائعة .
بنية الرواية معقدة و غير كلاسيكية ، البناء لولبي بعيد عن الخطية ، و الرؤية العامة للتيمة رؤية جدلية عميقة تستبعد كل الكليشيهات الجاهزة عن الماضي الثوري و العلاقات مع الآخر ، و لكنها تحرص في كل الفصول على إنتاج خطاب مميز و ذكي .
نور الدين سعدي ينسينا رداءة البناء الروائي المهيمنة على كثير من نصوصنا المعاصرة .مع سعدي نتعلم أن الرواية ليست مجرد حدوثة فيها زمان و مكان و شخوص …كلا ، الرواية عنده ،تحليل نفسي و تاريخي ، و اشتغال على بنية السرد و مغامرة خارج الدروب المعبدة ، بلغة راقية جدا .
شكرا على هذه اللؤلؤة ….السكينة لروحك أيها الروائي الأبي الذكي.

عن admin

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

أثبت أنك بشر .. هههه *