الرئيسية / الرئيسية / “في النقد التاريخي” لخالص جلبي: عوامل انهيار حضارة المسلمين

“في النقد التاريخي” لخالص جلبي: عوامل انهيار حضارة المسلمين

أحمد أبو ارتيمة

يواصل المفكر السوري خالص جلبي في كتابه “نقد الفكر الديني: في النقد التاريخي”.مشروعه الفكري الذي بدأه قبل أكثر من ثلاثين عاما، مع كتاب “ضرورة النقد الذاتي للحركة الإسلامية”.

ينطلق خالص جلبي في قراءته للتاريخ من أن عامل الانهيار داخلي بالدرجة الأولى، أما العنصر الخارجي فهو الذي يكشف الغطاء عن التفاعل الداخلي ويشير إليه.وإزاء سؤال: كيف انهارت الحضارة الإسلامية وكيف غاب المسلمون عن التاريخ وكيف قفز الأوربيون إلى دفة قيادة التاريخ، يرى جلبي ضرورة البحث في البدايات والمؤشرات.يبدأ الانهيار التاريخي، وفق تحليل خالص جلبي، من الإنسان الذي إذا تحررت إرادته أصبح مواطنا واعيا مشاركا مسئولا، وليس عصا للضرب بكل يد، أو طبلا جاهزا للقرع بكل الأنغام والرقصات، أو مسدسا جاهز الزناد لإعدام ولو أبيه.سجل التاريخ الإسلامي مبكرا مأساة انفكاك الضمير عن الواقع، يظهر ذلك في مثال عقيل ابن أبي طالب الذي يواجه مصادرة الحياة الراشدية على يد البيت الأموي بقوله: “إن صلاتي خلف علي أقوم لديني، وإن معاشي مع معاوية أقوم لحياتي”.

معركة العقاب

في عام 1212م طُحنت الدولة الموحدية في الأندلس في معركة العقاب، وبعدها تهاوت الحواضر الأندلسية كورق الخريف. لكن من أين أُتي المسلمون في معركة العقاب؟

يورد خالص جلبي مثالا يظهر توقف الحياة العقلية وانحدار مخطط الحضارة في الأندلس، وهو معاقبة الفيلسوف ابن رشد:

يذكر صاحب كتاب “الذيل والتكملة” ابن عبد الملك؛ نص إدانة الفيلسوف ابن رشد الذي جاء فيه: ” فاحذروا – وفقكم الله – هذه الشرذمة حذركم من السموم السارية في الأبدان. ومن عُثر له على كتاب من كتبهم فجزاؤه النار التي بها يعذب أربابه، وإليها يكون مآل مؤلفه وقارئه”.

هكذا كان مصير الفيلسوف المبدع الذي استفادت منه أوربا أكثر من العالم الإسلامي، ففي الوقت الذي أطلق فيها شرارة العقل المفكر، كان هذا الصك يحكي لنا حرق كتبه أينما وجدت، ولكن الأمة التي تفعل بمفكريها هذه الفعلة هل تبقى بدون عقاب؟.

يجيب جلبي بأن عقاب أهل قرطبة مخيف، بل عقاب أهل الأندلس جميعا، فقد سقطت بعد ذلك بلنسيا، ثم قرطبة، ثم تكلل الانهيار بسقوط مدينة إشبيلية في عام 1248م. وبذلك سقط الجناح الغربي للعالم الإسلامي بتمامه.

اكتساح التتار للمشرق الإسلامي

بعد عشر سنوات بالضبط من سقوط الجناح الغربي للعالم الإسلامي تبعه الجناح الشرقي متمثلا في بغداد؛ التي سقطت على يد هولاكو عام 1258م.

يتساءل خالص جلبي: كيف يمكن أن يفسر حدثٌ في مثل هذه الضخامة انهيارا مريعا للحضارة الإسلامية؟

ويقول: “إن التاريخ ينقل قصصا لا تكاد تصدق سواء من مستوى القيادة، أو مستوى الأمة، بين اتصالات مريبة من السلطان العباسي الذي راسل جنكيز خان يدعوه لغزو بلاد خوارزم، لتخليصه من منافسه هناك جلال الدين، والذي كان يخشى من زحفه باتجاه بغداد، فجاءه طوفان يأجوج ومأجوج بعد ذلك ليعدم ولده المستعصم وأحفاده وحفيداته.. أو في قصة التتري الذي أمسك مسلما ليذبحه، فأمره بالبقاء حيث هو، ثم غاب الجندي التتري سويعة وعاد والمسلم ما زال ينتظر الذبح؛ لأن غريزة التمسك بالحياة قد تلاشت”.

يخلص خالص جلبي إلى أن أمة من هذا النوع لا يحتفظ بها التاريخ، ولا يوفرها الجنس البشري، بل يمضي عليها القانون الإلهي: “وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم”.

معركة سهل أنقرة

يتوقف الكاتب مع مفصل آخر في تاريخ المسلمين، ففي الوقت الذي كان فيه السلطان العثماني بايزيد خان الأول يتأهب لغزو أوربا بحملة قوامها نصف مليون جندي، تحركت عاصفة عسكرية أشد هولا، ومن نفس العرق التركي والدين الإسلامي، وبسبب تاريخي تافه، يقودها عسكري تتري مرعب خلّد اسمه في التاريخ بكل الفظاعات الممكنة (تيمورلنك)، ليحطم الطموحات العثمانية الجنينية للسيطرة على أوروبا في معركة أنقرة في 20 تموز/ يوليو عام 1402م، وليوقف المد الإسلامي، ولينقذ جنين الحضارة الغربية.

يتساءل خالص جلبي عن هذا الارتطام الأعمى بين قوتين إسلاميتين لتنجو وتولد حضارة غير إسلامية: هل هو مجرد مصادفة عبثية؟ أم عمى تاريخي؟

للإجابة عن هذا السؤال يستعين الكتاب بتحليل مالك بن نبي الذي يشرح المعنى التاريخي لمعركة سهل أنقرة في كتابه “وجهة العالم الإسلامي”: ” لقد قام تيمورلنك في الواقع بعمل لم يكن يستطيع إدراكه حتى بعد انتهائه منه، لأن مغزاه التاريخي الحق لا يمكن أن يظهر إلا بعد عدة قرون. وإن مسألة كهذه قد تتركنا مشدوهين بحجة أنها ذات طابع ميتافيزيقي، ولكن لكي نعطي للأحداث تفسيرا متكاملا يتفق مع مضمونها كله يجب ألا نحبس تصورنا لها في ضوء العلاقات الناتجة عن الأسباب، بل ينبغي أن نتصور الأحداث في غايتها التي انتهت إليها في التاريخ”.

“لماذا حال تيمورلنك دون قيام بايزيد بنشر الإسلام في قلب أوربا..؟ والجواب لكي تتابع أوروبا المسيحية جهدها الحضاري الذي لم يكن العالم الإسلامي بقادر عليه منذ القرن الرابع عشر، حيث كان في نهاية رمقه. إن سيف تيمورلنك هو الذي شق الطريق أمام الحضارة الغربية الوليدة وسط أخطار الغروب التي كانت تخيم على العالم الإسلامي”.

معركة أسوار فيينا

في يوم الثاني عشر من أيلول/ سبتمبر من عام 1683م، وفي عصر السلطان محمد خان الرابع، وجه الوزير العثماني الأعظم رسالة حفظتها الوثائق العثمانية إلى أهل فيينا التي كان يحاصرها بجيش عرمرم قوامه ربع مليون جندي، جاء في الرسالة:

“إنني وبعزة الله وكرامة الرسول وولد القمرين الذي له كل الرفعة والفخر. أنا قائد جيش السلطان العثماني الأعظم. ملك ملوك الأرض. أقول لكم ولقائد النبلاء في فيينا الجنرال ستارهمبرغ. لتعلموا أنني وبأمر من سيدي الأكثر احتراما وتقديرا، الأقوى، والأعظم والذي لا يقهر. والذي جئتكم بجيشه اللجب حتى مدينتكم فيينا هذه من أجل ضمها إلى مملكته. إن استسلمتم له فبإمكانكم أن تنسحبوا بكل أشيائكم صغيرها وكبيرها. ومن يرغب في البقاء هنا صينت ممتلكاته. أما إن عصيتم وامتنعتم عن التسليم اقتحمنا عليكم مدينتكم وقطعنا كل صغير وكبير بحد السيف”.

لكن انعطافا نوعيا حصل في تاريخ القارة الأوربية كسر نهائيا المخطط التوسعي العثماني، حيث اندفع الملك البولوني يوحنا الثالث سوبيسكي بقيادة شخصية، وبجيش نجدة بلغ خمسة وستين ألف جندي قدموا لفك الحصار عن مدينة فيينا قلب أوروبا، مما أدى إلى فشل الحملة واندحار الجيش العرمرم، وأعدم الوزير الأعظم في بلغراد، عاصمة الصرب الحالية، في 25 كانون الأول/ ديسمبر من العام 1683م.

يرى خالص جلبي أن مسلسل التراجع العثماني استمر بعد فشل حملة فيينا في القرنين التاليين حتى دخلت الدولة العثمانية “العناية المركزة التاريخية”، حيث سميت بـالرجل المريض، قبل أن يموت هذا الرجل المريض.

في هذه المحطة من تاريخ المسلمين يبرز أيضا دور العامل الداخلي. ويرى خالص جلبي أن الدور الذي لعبه كمال أتاتورك كان تافها، فهو لم يقتل أو يلغ الخلافة العثمانية، وإمبراطوريات عريقة هيهات أن تسقط بأمثال أتاتورك، إن أتاتورك لم يفعل أكثر من إعلان الموت والسير في خشوع في جنازة الدفن الأخيرة.

كانت حملة العثمانيين على فيينا عسكرية في الوقت الذي كان فيه التفوق الغربي تفوقا حضاريا، وفي نفس العام الذي مات فيه السلطان محمد خان الرابع (1687م)، كان إسحق نيوتن يكتب كتابه “الأسس الرياضية للفلسفة الطبيعية”، الذي لم يكن سوى القفزة النوعية في تاريخ العقل الإنساني، وكان المدخل الجديد لفهم عالم جديد. وهو التحول الذي لم يتفطن له المسلمون الأتراك حسب استقراء الكتاب.

معركة سفح الأهرام عام 1798

يذكر المؤرخ الجبرتي أن الإنجليز سبقوا الفرنسيين إلى الساحل المصري وحذروا الشعب المصري قبل وصول الحملة بعشرة أيام، إلا أن المماليك لم يهتمو بشيء من ذلك ولم يكترثو به، اعتمادا على قوتهم وزعمهم أنه إذا جاءت جميع الإفرنج لا يقفون في مقابلتهم وأنهم يدوسونهم بخيولهم!

“أما موقف الجماهير والعلماء الذين يقودونهم والفرق الصوفية فقد كان يشي بطبيعة العقلية المسلمة في تلك الأيام. لقد كانوا يقرأون صحيح البخاري ويعيدون كلمة يا لطيف آلاف المرات ليدفعوا عن أنفسهم الجنود الفرنساوية”، كما يقول المؤلف.

في الوقت الذي اكتشف فيه الفريق العلمي الفرنسي حجر رشيد وأعاد الحياة إلى اللغة الهيروغليفية، كان المماليك مستلقين على ظهورهم، يدخنون الأراجيل في أشعة الشمس المصرية الدافئة!

يرى جلبي أن حملة نابليون كانت تؤدي دور الصفعة لعالم خرج عن خط التاريخ ليستيقظ من جديد، ولكنه أضاع الفرصة كما أضاع الأتراك فرصة خريف القرن السابع عشر.

ولادة إسرائيل

يصل خالص جلبي في نهاية تطوافه التاريخي إلى محطة “ولادة إسرائيل” التي تشبعت الثقافة العربية بأن الصراع معها هو القضية الجوهرية، لكن جلبي يرى الحاجة إلى إعادة ترتيب علاقات الأشياء. فولادة إسرائيل جاءت من رحم التردي العربي، ولو خسف الله الأرض بإسرائيل لما زال المرض العربي. وهناك دول عربية تخلصت من الاستعمار ولكنها تعيد سيرة الاستعمار على شكل أبشع.

إن من الضروري التأسيس لفهم لماذا ولدت إسرائيل، وكيف تحدث مثل هذه الأشياء في التاريخ؟ يرى خالص جلبي أن هذا التأسيس ضروري لوضع اليد على تشخيص مجد واقتراح علاج ناجع لمشاكلنا. 

النقد التاريخي

عن admin

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

أثبت أنك بشر .. هههه *