الرئيسية / اكاديميا / في خيبة القراءة: كيف نؤسّس للقراءة العمياء

في خيبة القراءة: كيف نؤسّس للقراءة العمياء

بن علي لونيس

أكتبُ لأحتفي بالنُّصوصِ، وأزعم أنِّي لا أكتب إلاّ عن النّصوص التي تحمل قدراً من الجدارة الجمالية، أو من الإمتاع أو من الإدهاش. صحيح أنّ العثور على نصّ مُبهر ومباغت هو قضية صدفة، لأنّ الصُدف وحدها هي الآلية الوحيدة للعثور على النادر من النصوص القوية، إلاّ أنّي لا أعثر عليها دائما، أقصد تلك النصوص التي تزلزل كياني من الداخل، وتُربك عادات القراءة كما كنتُ أتمثَّلها كناقد؛
ما زلتُ ألعن دويستوفسكي منذ اليوم الذي أنهيت فيه قراءة الجريمة والعقاب ( وكان هذا منذ سنوات بعيدة )، كان علي – آنذاك – أن ألعنه لأنّه أقحمني بقوة في متاهة الأدب، وتحديدا الرواية.
كان من الصعب بالنسبة لي العثور بسهولة عن السلام النفسي الذي كان سمة الوعي الكسول، ما فعله فيدور بي يشبه جريمة في وعيي، وعقابه أنّي صرتُ أبحث بشراسة عن نص لاذع آخر. قليلة هي النصوص اللاذعة، خاصة في أدبنا. إنها نصوص بمفعول الصدمة.
ما زلتُ إلى اليوم أنتقي ما أقرأه بعناية شديدة، ولا أتورع في أن أرمي برواية بمجرد البدء بها، فإذا لم تُحرِّك مياه الباطن أرميها من النافذة، لا أملك حتى الشجاعة لأن أهديها لقارئ آخر، لأنّ الإحساس بالذنب قد يلاحقني طيلة حياتي، لهذا، الروايات الرديئة يجب أن تُحرق ( لماذا لا نفكر في كريماتوريوم خاص بالكتب الرديئة ؟ )
العثور على نص جيد، هو إمساك بلحظة سعيدة؛ فالقراءة تغدو بالنسبة لي مسكونة بحسّ الاستكشاف، أُشبِه إلى حد ما، ذلك المريد الذي يقطع الفيافي القصيّة لأجل إرضاء شغفه الديني. ( هل القراءة تجرية روحية؟ )
أكتب دائما عن هذه النصوص، لأنّها أولا تعنيني، فالنص ما إن يُطبع يفقد صلاته بمبدعه إلا ذلك الخيط السلالي الرفيع، لهذا القراءة هي إلى حد ما محاولة اكتشاف ما غفل صاحبه عن رؤيته في نصه الشخصي، ولا أدّعي طبعا أنّي أُوفّق دائما في هذه المهمّة، أقصد هذا المستوى العالي من القراءة، لكنّي أؤمن بأنّ طريق القراءة يحدده ذكاء القارئ، وليس شيئا آخر، أما المناهج فمجرد عصا يستعين بها القارئ في رحلته، وليست هدفاً بذاتها.
القراءة هي بحث مستمر عن طريقها الخاص، فلا يمكن العودة إلى النص من نفس الطريق التي سلكها قارئ آخر، أو صاحبه، أو حتى القارئ نفسه. تُغيّر النصوص مداخلها في كل مرة، هنا تكمن طاقتها الإبداعية.
هناك جزء معتبر من الذاتية عند القراءة، القارئ محشو بأسئلة ذاتية، وهذه الأسئلة على قدر كبير من الأهمية، إذا ما نظرنا إليها بوصفها الشغف.
لكني، أجد صعوبة في إقناع البعض بهذا المستوى من الإدراك؛ فبعض الكُتّاب يلزموك، ولو بغمزة ماكرة من العين، أن ترمي لهم بما يريدون، حتى يشبعوا في داخلهم إحساسا فارغا بالامتلاء الإبداعي، وهذا النوع من الكتّاب سيعجزون عن تقديم أدلة كافية عن أنهم هم أنفسهم فهموا نصوصهم؛ فالنص، في اعتقادي، يحتفظ بمستوى من الاستقلالية الأنطولوجية عن مؤلفه، أما فهم الكاتب لنصه فهو إحدى ممكنات الفهم، وقد تكون أبعدها عن حقيقة النص.
ولأني دائما أتحرك خارج دائرة هذا الوعي السطحي، تتحول قراءاتي عند هؤلاء إلى نوع من المغالطة، أو إلى نوع من الإنتهاك الدلالي، وقد يغدو اغتصاباً!
حدث هذا معي أكثر من مرّة، وبدل أن أجد من يُقدّر هذه القراءة التي تروم إخراج نصه إلى أفق مختلف، أجدني محط اتهام بلغ حد التعرض لشخصي، والنماذج موجودة.
لقد فهمت أن القراءة المختلفة تسبب جرحا في كبرياء الكاتب، ولا أفهم إلى اليوم أي قدرة يملكها هؤلاء تجعلهم يتحولون إلى بوليس سياسي يقفون أمام عتبات النصوص النقدية لأجل اعتقال كاتبها بتهمة الاعتداء العلني على نصوصهم المُبجّلة. ( البعض ينظر إلى نصه أنه طفرة إبداعية لا مثيل لها رغم أنه نص محشو بالأعطاب الكثيرة )
أحيانا لا أجد تفسيرا معقولا لهذه الردود إلا كونها ممارسة علنية لسياسة الحماقة، الغرض منها إنتاج قارئ مُدجّن، وأعمى. أعترف أنّ في هذا المستوى يمكن التحدث عن القراءة العمياء. هذه القراءة تدين أكثر مما تقرأ، وأملك من الوقت الكافي لأشرح الفرق بين الإدانة والقراءة؛ إذا كانت القراءة الجيدة هي التي تكسّر أفق انتظار النص نفسه، فالقراءة العمياء هي التي تعتبر كسر أفق الانتظار هو تأسيس لأفق الخيبة. الكاتب الذي تزعجه القراءات المختلفة هو شخص تعرّض لخيبة مؤلمة.
مرة كتبتُ: إذا كان النقد المختلف للنصوص مصدرا للخيبات، فأنصح الكُتّاب قبل نشر روايتهم أن يكتبوا لنا قراءة نهائية لرواياتهم، يضعونها كمقدمات، مع شريطة الكتابة ببنط عريض: هذه هي القراءة النهائية لنصي. وفي هذه الحالة، يكون الكاتب ومن حيث لا يدري قد قضى على نصه بالموت، فما يقتل النصوص هو هذا بالذات: إخصاؤها دلاليا.
صراحة، من أراد أن يغضب من مقالاتي، فليغضب، لأنّ مهمتي تتوقف عند محاورة النصوص، ولا أظن أني أملك من الوقت الكافي لأربت على كتف الكاتب لأجل مواساته. النصوص القوية والتي تمتلك جدارة الوجود لا تحتاج إلى من يدافع عنها إطلاقا. ولست مرة أخرى مسؤولا عن أمراض بعض الكُتّاب، أنا صاحب مسؤوليات جمالية وتأويلية.

عن admin

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

أثبت أنك بشر .. هههه *