الرئيسية / اكاديميا / متخيّل الصحراء وإعادة تشكيل المركز في الرواية الجزائرية

متخيّل الصحراء وإعادة تشكيل المركز في الرواية الجزائرية

.الدكتورة آمنة بــَـــلّـــعــْـلىَ


جامعة تيزي وزو-الجزائر

مقدمة: فرضت الصحراء نفسها على الإنسان، ووجّهت تدبير حياته في ظلّها، كما وجّهت عملية الإبداع لديه حتى عدّها منبع الإلهام، ومثّلت مواقف ورؤى وجودية لا حصر لها، خاصة وأنها ارتبطت بمتخيل ديني ضارب في القدم، ارتبط بالديانات السماوية واكتسح عالم الأساطير، لتغدو الصّحراء ذاتها رمزية أسطورية عميقة، تعبّر عن توق الإنسان نحو المطلق، ورغبته في تجاوز الغامض والغريب، وفهم عالم الخوارق وما وراء الواقع، وعمق التجارب الغامضة في الإنسان.
استلهم الروائيون في الغرب هذه العوالم، وتم بواسطتها تجاوز فضاء البطولات الملحمية، لتِؤسس لعوالم أخرى، فتشكّلت باعتبارها متخيّلا جديدا هو المتخيّل الصحراوي، الذي جنح فيه روائيو الغرب إلى تمثيل المخيال الديني والأسطوري الذي ارتبط، من جهة، برمزية مغرقة في الروحانية، عبر تجارب نحو المطلق واللامعقول والغيب، ومن جهة أخرى جسّد المتخيّل الكولونيالي الجديد الذي عدّ الصحراء مغامرة ينبغي الترويج لها من أجل تكريس مركزية ناشئة، تعبّر عن يوتوبيا انتصار الغرب على الشرق الذي يكتشف فيه فضاء مأهولا بالعلامات الطبيعية بعيدا عن امبراطورية العلامات الاصطناعية التي صنعتها الحداثة الغربية.
-1رمزية الصحراء في الرواية الجزائرية المكتوبة بالفرنسية:
كان متخيل الصحراء حافزا مهما بالنسبة إلى الروائيين الجزائريين منذ خمسينيات القرن الماضي، فقد ظهرت لدى مالك حداد في سنة 1959 في روايته سأهبك غزالةJe t’offrirai Une Gazelle ومن خلال بحث البطل مولاي عن غزالة حية في الصحراء يهبها لحبيبته، ثم موته عطشا فيها دون أن يحقّق لها ذلك. جسّد مالك حداد، الفراغ النفسي الذي يعانيه الجزائري في وطنه تحت وطأة الاستعمار، وهو الفراغ نفسه الذي عاناه في باريس منفاه المضاعف. فباريس/ قسنظينة في الواقع وباريس/ الصحراء في المتخيل، جسدا لدى مالك حداد المنفى المتعدد الأبعاد، بدءا باللغة الفرنسية التي اعتبرها منفاه، إلى الواقع الذي رمز له بالصحراء، ثم باريس التي هي منفى في الحقيقة وفي المتخيل، ولذلك ستصبح الغزالة موضوع السعي في المتخيل رمزا للحرية التي لم يتمكن الجزائري من تحقيقها.

بعد الاستقلال تراءت الصحراء كذاكرة منسية بالنسبة للروائيين، الذين يكتبون باللغة الفرنسية، حيث استطاعت رواياتهم تحرير نفسها من قيود النظام الاشتراكي لتحلق في فضاءات إبداعية تعمل على اضاءة بعض مواطن العتمة من التاريخ والجغرافيا الجزائرية، فكانت الصحراء الحاضر الغائب الذي يظهر باحتشام في دور لشخصية، أو إحالة إلى لغة حالة اختلاف، لتتشكل بعد ذلك كعلامة رمزية، وفضاء متخيّلا سرعان ما اكتشفه مولود معمري من خلال بحوثه الأنتروبولوجية، فضاء حقيقيا للهوية اللغوية الأمازيغية .وإليها يعبر من خلال شخصيات روايته العبور La traversée سنة 1982 من إحدى مداشر بلاد القبائل “تازقا” ؛ حيث ينتقل مراد الصحفي إلى الصحراء، ويقوم معمري من خلاله بتفكيك متخيل الصحراء كما تمثلها الغرب، ويسائل ثقافة شعب التوارق هناك الموزع بين الحدود، وبذلك تتحول رمزية الصحراء إلى فضاء للبحث عن الهوية الأمازيغية التي تصاعدت المطالبة بها في ثمانينيات القرن الماضي ، وجسّدت الرواية جزءا من السيرة الشخصية للروائي والأنثروبولوجي الذي يبحث عن الثقافة الجزائرية الحيّة لدى أمازيغ الصّحراء.
وهو الأمر نفسه الذي دفع الطاهر جاووت إلى كتابة رواية اختراع الصحراء l’invention du désert سنة 1987 التي مثلت رمزا للبحث عن الجذور الهوياتية، من خلال شخصية البطل الذي يعيش منعزلا في المدينة الباردة في أحد فنادق باريس فارا من سطوة القهر السياسي في الجزائر، حيث نمت الصحوة الإسلامية، فعكف جاووت على البحث عن أسباب هذه الظاهرة المفاجئة ، ولكن من خلال أبعاد رمزية عاد بنا من خلالها إلى مؤسس الدولة الموحدية المهدي ابن تومرت، ليستنطق من خلاله البطل الذي يجعل من حياته سيرا دون نهاية، لأنه مولع بالسفر مثل ابن تومرت الذي جاب الصحاري العربية، فيستنظق من خلاله جذور التعصب الذي بدأت بوادره تظهر مع صحوة الثمانينيات الدينية. فكان السفر إلى الصحراء، بمثابة توجّه نحو الداخل لتجاوز آثار التحولات الإيديولوجية والسياسية التي ساهمت في تغييب الهوية الحقيقية للشعب الجزائري، وارتداء هويات إيديولوجية قاتلة.
في سنة 1992، ومع بداية أزمة العنف في الجزائر، يطل محمد ديب من خلال روايته الصحراء بلا منعطف le désert sans détourتحت غطاء شبه سوريالي سيستمر معه في رواياته اللاحقة، وذلك من خلال رحلة التيه في الصحراء، التي تعادل رحلة البحث الداخلي عن معنى الوجود، لتصبح رواية في الرمزية الفلسفية للصحراء. وهو الأمر الذي عمقه في رواية سيمورغSimorgh سنة 2003 حيث يجعل من استيقاظ قوى الطبيعة في الصحراء وتواطؤ الرمل مع الريح في فصل مدن الأشباح الحزينة معادلا رمزيا لإمكانية القضاء على كل جميل في الحياة، فهو يستطيع القضاء ببطء وبكل فظاظة على أجمل واحة نابضة بالحياة، فالرمل، يمكن أن يجرّ خلفه الصحراء كلها، وهو في هذه الأمثولة الرمزية يوحي إلى الغرب المعولم القاهر للهويات.
ويتّخذ رشيد بوجدرة سنة 1994 في رواية تيميمون Timimoun من الصحراء ملاذا، جراء ما يحدث في الشمال من مجازر، وفي إسقاط نفسي تتحوّل الصحراء المتخيّلة إلى صورة الأم، وهو في هذه الرواية، يقارب الصّحراء من موقعه الشمالي الذي لم يعرفها إلا سائحا، أغرت مخيلته، ومنحته فرصة لتفسير ما يحدث في جزائر التسعينيات وما تثيره الصحراء من وشائج الذكرى إلى مسقط الرأس بقسنطينة التي يستدعي منها رائحة أمه.
جسّدت رواية الممنوعة l’interdite لمليكة مقدّم سنة 1993 بداية تحوّل متخيّل الصحراء لدى الروائيين الجزائريين الذين يكتبون بالفرنسية، حيث استطاعت هذه الروائية القادمة من الصحراء إلى فضاءات الغرب الباردة، أن تخوض تجربة استنطاق مضاعف، تفضح من خلاله التمثّل الكلاسيكي الذي ينظر إلى الصحراء من خارج بصفتها فضاء للاستمتاع والسّياحة، أو ملاذا نفسيا، إلى فضح الصحراء التي تمارس المنع والقهر على المرأة، وبذلك تعرض ذلك التعارض الذي تمثّله الصحراء بين كونها فضاء حرا وسجنا يتّسع لمجتمع أبوي يمارس فيه منع النساء من ممارسة أدنى الحقوق.
سعت مليكة مقدم إلى خلق متخيّل صحراوي جدي سوف يسمح لأبناء الصحراء بالانخراط في الاشتغال على تمثيلات متنوعة للصحراء، أسست للرواية الصحراوية في الجزائر، بدءا من الألفية الثالثة، معظمهم كتب باللغة العربية، قاموا بتفكيك أسطورة الصحراء بتمثيلاتها التقليدية ليطلعوا القارئ على صحراء تقاسمتها رهانات سياسية واجتماعية واقتصادية وتمثيلات لتناقضات هذه الرهانات، فهي التي انبعثت منها دويلات دينية حكمت الجزائر والمغرب الإسلامي كالموحّدين والمرابطين، ومنها أطلق المستعمر أولى تجاربه النووية في رقان، ورقان نفسها، تحولت إلى معتقل كبير زجّ فيه بآلاف الإسلاميين في بداية التسعينيات، وهي نفسها صحراء الهامش الثقافي.
2- الصحراء: موضوعا مؤجلا في الرواية المكتوبة بالعربية
أعاد الروائيون الذين يكتبون بالفرنسية، النظر في صياغة متخيل الصحراء الكولونيالي، ليخلقوا منه عوالم تمثيلية، وجعلوا الصحراء وسيطا سرديا لتمثيل التحولات التي عاشتها الجزائر في الثمانينيات، وبروز النزعة الهوياتية مثلما رأينا ذلك لدى مولود معمري والطاهر جاووت، وفي هذه المرحلة، انشغل الروائيون المؤسّسون للرواية العربية كعبد الحميد بن هدوقة والطاهر وطار باستنطاق غائب قريب العهد بهما هو ثورة التحرير الكبرى، ولم تكن الصحراء آنذاك، تمثّل سوى مورد اقتصادي، يسهم في تغيير المجتمع الجزائري وتحريره من الفقر والتخلّف وبقايا الإقطاع، ولذلك جرى تشغيل ريح الجنوب في أول رواية بالعربية سنة 1971 باعتباره مؤشرا لتحوّلات كبرى ستمسّ المجتمع الجزائري التقليدي، وإعادة النظر في مواقف نسقية متحجّرة كالموقف من حرية المرأة، وما عدا ذلك ظلّت الصحراء موضوعا مؤجّلا لحساب تشغيل موضوعات أخرى تستجيب لطبيعة المرحلة كقضية التعريب وبناء مؤسسات الدولة وفق نسق إيديولوجي مخصوص.
في هذا الزمن الإيديولوجي، لم تتمكّن تلك الرؤية المدعومه بنسق صلب من الدوغمات والايديولوجيات من تحرير نفسها من القيد الاشتراكي. وكان السؤال الاجتماعي مبتدأ الأسئلة في هذا الكون الروائي، وكانت تقوده رؤية فكرية واقعيه، و كان هذا السؤال، وقتها، طبيعيا بالنسبة إلى كتاب الرواية العربية ودعائمه الأسلوبية منسجمة مع النظام البلاغي الذي كانت تعيش عليه الرواية العربية في الوطن العربي و ومنظومة الأفكار الثقافية والسياسية، ولذلك ظل موضوع الصحراء في حالة كمون في ظل تفعيل نسق المركز والهامش.
ولم يكن لمتخيّل الصحراء لينافس متخيّل ثورة التحرير أو الثورة الاشتراكية الذي ساهمت في إنشائه سلطة الثقافة المؤطّرة والتمركز حول النسق المشرعن لدى كتاب الرواية العربية، الذين كانوا بمثابة الفاعل الثقافي الذي أوكلت إليه مهمة إنتاج تمثيلات تكرّس نسق الثقافة المركز وهي تنتج طبقية ثقافية لمسناها بين ما ينتجه هذا النسق، وبين النسق الرافض للنسق المركز الذي ينتجه كتاب الرواية الفرنسية، كما أسلفنا الذكر.وظلت الصحراء تشكّل نسقا يتغذّى من ازدواجية تجمع بين كونها مصدرا للشقاء وظلم الطبيعة وقسوتها، وكونها فضاء للاستمتاع بجزائر الشمس وبلحظات الغروب، مثلما كرّسته النسقية الكولونيالية.
3- الإرهاب دافعا لتجاوز الصحرا-فوبيا
ومع مرحلة العشرية السوداء، سمح العنف بنقد التمثيلات الخاطئة، وتفكيك المنظومة الفكرية التي قامت عليها السلطة والمرتبطة بالهيمنة والإقصاء التي نشأت أثناء الثورة وظلت سائرة بعد الاستقلال. وحدث تغيير كبير في الثقافة المركزية، وتبدّدت الوحدة التي أصبح ينظر إليها على أنها سياسة إخضاع، وتم تفكيك تاريخ العتمة وتعريته، والدفع بعجلة الذاكرة المضادة إلى الواجهة.
وهربا من سلطان العنف تراءت الصّحراء لبعض المثقّفين مأوى، ويمثّل الروائي “الحبيب السايح” حدثا إبداعيا استثنائيا في السّبق بصوغ متخيّل للصحراء، استقاه من الداخل وهو القادم من منتصف الشمال، لينخرط في دهاليز قصور الصحراء ويقيم فيها ردها من الزمن، ويصوغ رواية تلك المحبة سنة 2000 التي تحتفي بالصحراء وتشيّد عهدا جديدا لكتابة الصحراء كموضوع ورمز وتاريخ وعلامة فارقة.
جاء الإرهاب، إذن، لينسف سريان النسق المتمركز ويجرّ أهل الشمال حقيقة أو مجازا إلى التعامل مع النسق المهمّش لتصبح قساوته أرحم من قسوة الإرهاب، وتتحوّل التمثيلات المخيفة عن الصحراء إلى صور تؤمّن، ليس الحياة والمعرفة والثقافة، فحسب، بل، تسهم أيضا، في إنتاجها وتجديدها، وتدفع بها إلى الخروج من عنق الزجاجة الإيديولوجية والنسق المهيمن. يطرح الحبيب السايح من خلال روايتيه، تماسخت دم النسيان سنة1998. وتلك المحبة متخيّلا مختلفا لقراء العربية، ليثبت تمرّده على النسق الذي بدأه في رواية “زمن النمرود” سنة 1985.
لقد غيّرت الصحراء التي دخل إليها هروبا من نار الإرهاب مجرى علاقته بالكتابة، التي اكتشف أنها لا تشبه غيرها مما كان يحيط به في الشمال، فكانت بالنسبة إليه، “الإضافة القصوى التي اختزلت له فضاء شاسعا من العلامات التاريخية والأنتروبولوجية والعرقية والمعمارية والثقافية والفلكلورية والروحية ذات البعد الصوفي، وهو المعطى الذي فرض عليه لغة جديدة تمتح من روح المخطوطة والسِيَر والسرود الشفهية ذات العلاقة بالأسطوري والخرافي”.
ويقتحم عز الدين ميهوبي مجال الرواية انطلاقا من الصحراء ليكتب اعترافات تام سيتي سنة 2007 ويقدّم لنا كما يدل على ذلك عنوانها، صحراء جديدة، تحوّلت إلى معبر تجاري كبير في بلاد الساحل وصار رجال الأعمال يقصدونها وينشئون بها المراكز الصناعية والتجارية، ويستغل المكوّن الصحراوي وتاريخه لتمثيل علاقات الهيمنة بين الشرق والغرب والتنبؤ بدخول الصحراء في تاريخ آخر غير تاريخها لتصبح مدينة معولمة بلا تاريخ أو بتاريخ جديد، أكسبها ثقافة ميتروبولية ستكون فيه مدينة تامنغست الصحراوية سنة2040 بناطحات سحاب تضاهي هونكونج ونيويورك ودبي. ولذلك كانت رواية اعترافات تام سيتي التي تحوّلت بعد ذلك إلى اعترافات أسكرام نموذجا تنبئيا لتحول الصحراء إلى فضاء عولمي، وتصبح الصحراء لدى هذا الشاعر الروائي موجّها من موجّهات الكتابة ما بعد الحداثية في الرواية الجزائرية..
4- تصالح أبناء الصحراء مع الرواية:
وبعد تلك التجارب التي كتبها أهل الشمال، جاءت روايات تقوّض النسق الثقافي الذي روّج لنسق الصحرا -فوبيا وظمأ أهل الجنوب المعرفي والتصحّر العاطفي والاستسلام للقسوة، وغياب فتنة الحكي، والتمركز حول الشعر، والأساطير، والخرافات، وغيرها من الشعارات التي كانت تغذي في الخفاء استمرار ثقافة مركز/ هامش. ولعل المشهد الروائي الجزائري الذي أسّسه أبناء الشمال، وعلى الرغم من ثرائه وأهميته، يمكن عدّه، في هذا السياق، دليلا على عيوب نسقية مركزية إقصائية، مورست بعد الاستقلال، سوف نشهد تراجعها مع بداية الألفية الثالثة، حيث لاحظنا بروزا ملفتا لانخراط أبناء الصحراء في الكتابة الروائية باللغة العربية، فيكتب الصديق حاج أحمد رواية مملكة الزيوان سنة 2015 لتكون قرينة لانفتاح الكتابة الروائية بالعربية على الهامش الثقافي الصّحرواوي بكل عنفوانة، وعلى ثقافة السرد ويتجاوز النسق الإقصائي، ليصبح الممثل الثقافي هو الكاتب نفسه، ابن الصحراء، وليس الآخر الشمالي الذي توارث كتابة الرواية منذ بداية الخمسينيات. في هذه الرواية، تمّ تفعيل نسق الصحراء قبل أن يدخلها التمدن، وفي هذا نسق مضمر يعكس نسقا ثقافيا مقاوما يسعى إلى تكريس الثقافة الفرعية الصحراوية ، ليتم إعادة تشغيل ثقافة الهامش.
أما عبد القادر ضيف الله، فيكتب رواية تنزروفت بحثا عن الظل سنة 2015 وهو يسترجع تاريخ الصحراء من خلال شخصية العالم وفاتح إفريقيا عبد الكريم المغيلي ومعاركه مع يهود الصحراء. بالموازاة مع استرجاع ذكريات البطل في ظل الإرهاب في الشمال الذي فرّ منه إلى صحراء تنزروفت أرض الوأد والعطش.غير أن نسق الثقافة المركزية في سياسة التمثيل كان يوجه عبد القادر ضيف الله فهو واقع، من جهة، تحت تأثير ثقافة مشرعنة خارجية في كتابة الرواية تصله من الآخر الداخلي الحبيب السايح أو الآخر الخارجي الذي هو ابراهيم الكوني حيث يصرح بشأن رواية “تنزروفت بأنها” تطّلبت مني أن أقرأ ما كتبه غيري عن الصحراء مثل إبراهيم الكوني ولحبيب السايح” ولذلك جاء البطل شماليا نزح إلى الصحراء هروبا من جحيم الإرهاب، ومن جهة أخرى يستعيد صورة الصّحرا-فوبيا ، حين يعتبر تنزروفت بأنها مركز الجحيم، حيث تنتهي مباهج الدنيا وعظائمها ليبقى التراب والدود هو المصير ويراها مجرد نسخة رديئة مكرورة لمدينة الشمال التي شردته إلى هذه الصحارى.. وهو يرسم نفس الصورة النمطية عن نسق صحراء الرعب نهاية الجري، ونهاية الدنيا، ومنتهى ملذات الحياة كما قال النوار في الرواية.
ولعل ما في ظاهرة رواية الصحراء بأقلام أبنائها، أننا نشهد، ومنذ الألفية الثالثة، تشكّل خصيصة ثقافية، تغلغلت في خطاب الثقافة المشرعنة، ومحاولة تجاوز عناصر هذه الثقافة بمزاحمة روائيي الشمال في قول الصحراء، وتجاوز ظلم الجغرافيا والدوائر الانغلاقية من خلال فسحة وسائل التواصل الاجتماعي وخاصة بالنسبة للمرأة الكاتبة، وقد أشرنا إلى أن مليكة مقدم كانت أوّل من كتب عن الصحراء باللغة الفرنسية ، لكنها كتبت تحت وطأة منظومة التّمثيل الاجتماعي للمجتمع الجزائري القائم على الهيمنة الأبوية، فأنتجت تمثيلا مضادا للمنع، في روايتها الممنوعة.
ولاحظنا بروز روائيات انخرطن في الكتابة باللغة العربية، مثل جميلة طلباوي في رواية الخابية، التي تحتفي فيها بهذا الجزء في القصر من البناء الصحراوي القديم الذي تمدّه بالمؤونة، وتضمن له الحياة في قلب الصحراء القاسية، وتجعل من الخابية سلطة رمزية تختزل ممارسة اجتماعية، وشاهدا على قيم الصحراء التي تميّز شعبها، وهي التي عبّرت عن الفكر الصّحراوي في علاقته بالأشياء، والتمتّع بالحصانة وخاصة في ظل عولمة متكالبة على القيم ، ولذلك لم يكن خافيا أيضا ذلك النسق المقاوم في الرؤية والمتمثّل في ذلك المعنى المعاكس للخابية التي جسّدت الخيبة التي لاحقت شخصيات الرواية. الأمر الذي يعكس سؤالا جعلته الرواية الجزائرية من أسئلتها الكبرى منذ الثمانينيات، وطفا على السطح بعد العشرية السوداء وهو سؤال الهوية، هوية إنسان الجنوب التي يجرّها نسق الثقافة المركزية، تارة، ويقذف بها نسق االمهمّش والتابع، مرات أخرى، ولذلك تكرّرت هذه الجملة الثقافية في الرواية عدة مرات في متن الرواية «لا يهمّ إن كان الرمل الذي يحمله البحر مكاني أو ذاك المحكوم بالعطش، لا ذنب للرمل، ولا للبحر»
لم يستطع منع التوريث الروائي لدى أبناء الصحراء أن يحدّ من سلطة تمثيلات متخيّل الصحراء التي تتراوح بين نسق الصحرا- فوبيا، ونسق علاقة التبعيية المنحدرين من الصورة النمطية المتداولة عن الصحراء وأهلها، وقد عبّر عن الأول بقسوة الظروف الطبيعيّة الصحراوية وأثرها على أهلها نتيجة البعد عن المدينة مثلما هو الأمر في رواية “مملكة الزيوان” التي جاءت في ظاهرها معبأة بجرعة تقديسية، تحكي فطرة الصحراء وعذريتها ، غير أن باطنها يشتغل فيه نسق الثقافة المشرعنة التي تكرس الصحراء باعتبارها هامشا لا يرقى إلى مستوى المركز، ولذلك نجد في هذه الرواية ممارسة لحيادية الذات التي تنتج ذاتها، من خلال ذكرياتها، وهذه الحيادية هي نفسها الصورة التي يرسمها الآخر كلما زار الصّحراء السّاحرة بفطرتها، وكما يتمنّاها فضاء للعودة إلى الطبيعة من خلال عوالمها وقصورها وواحاتها الجميلة.
ومن هنا نفهم دلالة إقرار عبد القادر ضيف الله أنه كتب روايته “تنزروفت- بحثا عن الظل” من وحي رواية الحبيب السّايح، ما يعني أنه يستعير تمثيلات سابقة، وهو وإن كان شكليا وتناصيا مقبولا، لكنه ثقافيا غير مستساغ، لأنه يأتي من خارج الثقافة المهمشة. على الرغم من الفارق بين كتابة الأخر وكتابة ابن الرمل عن فضائه، التي تبقى كتابة استثنائية، بحكم معرفته الدقيقة لتفاصيل الأشياء التي تربّى وترعرع معها .
ولعل هذا ما استدركه الصديق حاج أحمد في روايته الثانية “كاماراد، رفيق الحيف والضياع” التي صدرت سنة 2016 والتي كانت فاتحة لكسر الصورة النمطية في الكتابة عن الصحراء، وتجاوز التيمات التقليدية إلى إنتاج نمط جديد من الكتابة في الرواية الجزائرية، المكتوبة بالعربية، تمّ فيه تقويض النسق الصحراوي المهمّش، والانفتاح على هامش آخر هو الجوار الإفريقي الغارق في مآسي الانقلابات والحروب الأهلية والفقر والأوبئة، والحالم بالعبور إلى الضفة الأخرى من خلال الصحراء الجزائرية، ويدخلنا في تجربة أخرى من غواية السرد الذي يتلبس الأسماء والأشياء والشخصيات والمكان والمغامرة. هذه الرواية تؤسس لعهد جديد، ليس فقط، لمتخيّل الصحراء، بانخراط أبناء الصحراء في كتابة الرواية، وتقويض سلطة نسق الكتابة الشعرية التي ظلت الثقافة الصحراوية مكبّلة بها، بل تجاوز الأنساق السابقة في الكتابة عن الصحراء، وخلق وعي آخر ينفتح على الآخر، لتأكيد الذات التي ترى وتعي وتتفاعل، وتطرح أسئلة جديدة، أهمها السؤال الوجودي المرتبط بظاهرة الحرقة أو الهجرة السرّية التي يمارسها الأفارقة عبر الصحراء الجزائرية، بحثا عن الخلاص عبر مغامرة تراجيدية ليصنع من هذه المغامرة نسيجا سرديا مختلفا وكونا سرديا يبهج القلوب .
تفتح رواية الصحراء، إذن، من خلال تصالح أبنائها مع الكتابة السردية عوالم جديدة للرواية الجزائرية المكتوبة بالعربية، واشتغالا جديدا يقوم على نسق معرفي يتجاوز ما كتب عن الصحراء التي نظر إليها باعتبارها تيمة أو واسطة سردية رمزية، إلى كونها فضاء يفتح الرواية الجزائرية على تمثيلات جديدة تؤثثها العوالم الإفريقية العجائبية الغارقة في المعاناة الوجودية، كما تفتح مجالا واسعا للتجريب في الكتابة الجزائرية القادمة من الصحراء وكتابة إفريقيا باللغة العربية.

الهوامش:

عن admin

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

أثبت أنك بشر .. هههه *