ملامح

محمد علاوة حاجي

 

 

 

 

١
ضمن 420 صفحة من كتابه “تاريخ الخلفاء”، يكتفي جلال الدين السيوطي (1445 – 1505) بصفحة واحدةٍ للحديث عن الدولة الفاطمية (921 – 1171). وفي هذه الصفحة اليتيمة، ينقل تعليقاً لشمس الدين الذهبي متحدّثاً عن خلفائها: “كانوا أربعة عشر متخلّفاً، لا مستخلفاً”.

٢
لا يُسمّي السيوطي دولة الفاطميين باسمها، بل يُطلِق عليها وصف “الدولة الخبيثة العبيدية” (ص 411، ط1 دار ابن حزم). وتلك هي التسمية الرسمية التي أطلقها الإسلام الرسمي، إسلام الدولة ورجالِ دينها ومؤرّخيها، على هذه الدولة التي ستولَد في “بلاد المغرب” وتنتهي في مصر. لم نكن لنعثر، في هكذا سياق، على تسمية ألطف لتُطلَق على الدولة الوحيدة التي اتّخذت من الإسماعيلية، وهي فرع من المذهب الشيعي، ديناً رسمياً لها.

٣
في التاريخ الإسلامي مارقون كثر. غير أنها المرّة الأولى التي يؤسّس فيها “المارقون” دولة.

٤
التقى التفسير الباطني للدين ونصوصِه لدى الفاطميين بفكرة التصوّف. وهذا أهمّ ما في القصّة. إننا أمام إرهاصات شكلٍ جديد للإسلام سيكون شمالُ أفريقيا أرضاً له: الإسلام الشعبي، في مقابل الإسلام الرسمي (السلفي لاحقاً) في عواصم “الخلافة” في المشرق.

٥
رغم ما تعرّض إليه أصحابه من محاربة وتكفير، سيبقى الإسلام الشعبي وسيتمدّد. وفي الجزائر اليوم، أكثر من ثلاثين طريقة صوفية، وقرابة 400 زاوية لديها نحو 4000 مدرسة قرآنية. لكن حرّاس المعبد، هؤلاء الذين يعتقدون أنهم يحتكرون “الإسلام الصحيح”، سيكونون بالمرصاد دائماً.

٦
“الإسلام الصحيح” هو، أيضاً، عنوان كتابٍ لـ أبي يعلى الزواوي، أحد شيوخ “جمعية العلماء المسلمين”، يقول فيه إن “الدولة العبيدية الباطنية سمّمت الأمّة الإسلامية بمعتقداتها ومخترعاتها وكفرياتها” (ص 156، دار الحبر).

٧
لا شيء أهمّ من العقيدة. إن فسدت فسد الأمر كلّه، وإن صلحت صلح الأمر كلّه: “إن الله لا يغفر أن يُشرَك به” ويغفر للقاتل والسارق والظالم والفاسد والمغتصِب والمستبد.

٨
هكذا يهرب حرّاس المعبد من قضايا المجتمع الحقيقية إلى التفتيش في نوايا الناس وعقائدهم. في كتابه “تاريخ الجزائر” (ص 720)، يؤكّد مبارك الميلي أن “جمعية العلماء” أنكروا على المتصوّفة وكفّروهم، ثم ينقل وصيّة شاعرٍ لابنه:
وطاعةَ من إليه الأمرُ فالزَم وإن جاروا وكانوا مسلمينَ
فإن كفروا ككفر بني عبيد فلا تسكُن ديار الكافرينَ

٩
في الأمس القريب، بينما كانت “جمعية العلماء المسلمين” تساعد فرنسا على “تهذيب” الشعب الجزائري، أنجبت الزاوية الجزائرية مقاومين قضّوا مضاجع المستعمِر: الأمير عبد القادر وفاظمة انسومر والمقراني والحدّاد وبوعمامة واولاد سيدي الشيخ وغيرهم كثير. وقبل ذلك، تجنّد شيوخ الطرق الصوفية لتعبئة الناس لحماية مدينة الجزائر من الغزو الفرنسي بعد أن تخلّى الأتراك عنها، على ما يرويه حمدان خوجة في “المرآة”.

١٠
اليوم، تناشد الجمعية، التي كانت تنشط بحرّية في زمن الاستعمار، وزارة الداخلية في الجزائر المستقلّة من أجل “التدخّل لوقف تحرّك عناصر الطريقة الكركرية”، وتطالب بـ “تشكيل لجنة أمنية يترأّسها وزير الداخلية للبحث عن معاقل هذه الجماعات التي تسعى إلى بثّ الفكر الضالّ المضلّ الذي يهدف إلى ضرب المجتمع الجزائري في هويّته وعقيدته”.

١١
لا يتجاوز أتباع “الكركرية في الجزائر 75 شخصاً. وهؤلاء لم يرفعوا سلاحاً ولم يدعوا إلى إرهاب ولم يحرّضوا عليه، ولم يُعلنوا ولاءهم لغير بلدهم الأم. وفي المقابل، هناك من يدعوا إلى الإرهاب ويمارسه ويشيد به ويعلن ولاءه لهذه العاصمة وتلك. وهؤلاء يسرحون ويمرحون ويعتلون منابر المساجد ويتصدّرون وسائل الإعلام دون أن يقاطعهم أحد.

١٢
صحيح أن الزوايا فقدت الكثير من نقائها في هذه المرحلة المريعة من تاريخ البلد، بعد أن تحوّلت إلى مجرّد أداة مساندة، مثلها مثل الأحزاب السياسية وجمعيات المجتمع المدني المغشوشة. لكن، هل سمع أحدكم عن زاوية خرّجت إرهابياً أو قاتلاً أو انتحارياً؟ الحقيقة أننا لم نعرف التطرّف الديني إلّا بعد أن صدّروا إلينا فتاويهم القاتلة، هؤلاء الذين يقولون اليوم إنهم يحاربون الإرهاب.

١٣
لنتّفق، جدلاً، مع الأصوات التي ترى في هذه الطريقة جماعةً ضالّة تسعى لبثّ فكر مضلّ. هل تكون محاربة الفكر إلّا بالفكر؟ ألا تخجل “الجمعية” وأمثالها من اقتراح حلّ أمني لمسألة فكرية في الأساس؟ وهل ينسحب وصفها على جميع الطرق الصوفية التي لديها طقوس أغرب بكثير طقوس “الكركرية”؟

١٣
بحسب وسائل إعلام، يكون الأمن قد استدعى “زعيم” الطريقة في الجزائر لسماع أقواله، وتكون السلطات القضائية قد باشرت تحقيقات معمّقة حول “ظهور طريقة دينية جديدة”. ليت القضاء والأمن يتحرّكان في قضايا أكثر إلحاحاً.

١٤
الطريف أن الدولة أصبحت تتحرّك استجابةً لتفاعل القضايا على شبكات التواصل الاجتماعي. والقصّة الجديدة ما كانت لتتفاعل لولا اسم الطريقة المتّسم بالطرافة هو الآخر، ولولا أزياؤها المتّسمة بالغرابة.

١٥
كما في كلّ مرّة، ينخرط الإعلام في اللعبة. بدل أن يقوم بدوره في إخبار الناس بالمعلومة، يتحوّل إلى ظهير للرقابة وأداة في يد السلط باختلافها: يصدر الأحكام والأوصاف، يدين، يتّهم، يدعو الأمن إلى التدخّل.

١٦
ما يحدث تكرار لحكاية “الأحمدية”. تحرّكت أجهزة الدولة جميعها لمجرّد أن وزير الشؤون الدينية لا يحب هذه الطائفة. ما مِن شك في أن تجاوزات كثيرة وقعت بمبرّر حماية عقيدة الجزائريين. غير أن الإعلام لم ير شيئاً من ذلك، فقد كان مشغولاً بمحاكمة “الطائفة الضالة” وتلفيق الاتهامات والأكاذيب.

١٧
“الأحمدية” صنيعة المخابرات البريطانية. هذا صحيح. لكن، من صنع الوهابية؟

١٨
في حالة “الكركرية”، سيقولون إنها صنيعة المخزن. لكن، ها هو بن بريكة نفسه يقول إنها طريقة جزائرية خالصة.

١٩
في وزارة الشؤون الدينية مصلحة باسم “مديرية التوجيه الديني والتعليم القرآني” تمنح شهادات إثبات اعتناق الإسلام للمسلمين الجدد. لا شكّ أنهم يفرحون كلّما نطق غير مسلم الشهادتين، لكنهم ينزعجون ويعلنون الحرب كلّما سمعوا عن تنصّر أو تشيّع أو “تكركر” أو “تأحمد” أو إلحاد أحدهم. ومع ذلك تنزعج الجزائر الرسمية من التقارير التي تضعها في مراتب متأخّرة في مجال الحريات الدينية.

عن admin

تعليق واحد

  1. رحماني عبد المالك

    أجهزة الدولة، تتجاهل الصعود الخطير للوهابية، من خلال للاستحواذ على المساجد ، والخطاب الديني و الجهر بزرع عقيدة غريبة على الشعب الجزائري، عقيدة الرضوخ للحاكم ولو كان ظالما، عقيدة السكوت أمام الظلم لأن نعمة الأمن والأمان من نعم الله علينا و لا يجوز على احد إشعال الفتن لتغيير الظلم.
    هذه العقيدة، ترتكز إلى فتاوى شيوخ، تنتمي إلى فكر سياسي معروف ومستورد ، عاث فسادا في كل الدول الإسلامية.
    شخصيا، لست مختصا في هذه المسائل، وثقافتي ضعيفة نسبيا في هذا المجال،ولكني أصبحت غير مرتاح عندما أسمع اءمة في خطب الجمعه ينتقدون بكل شدة كل تعبير عن الرأي في المجال السياسي أو النقابي،وخاصة عندما يوجه ضد السلطة و الحاكم. هناك استغلال فاضح، للمساجد من الطائفة الوهابية، ولم نسمع يوماً عن موقف من الوزير أو من جهة أخرى في أجهزة الدولة.
    هذه الطائفة، المدعومة من الغرب و السعودية، تريد القضاء على عقيدة هذا الشعب الثائر واستبدالها بعقيدة الخضوع وبمباركة السلطة .
    السؤال بسيط….
    من هو المستفيد الأول و الوحيد من هذا الغزو الفكري والعقاءدي…
    لماذا تحارب طرق لا حول ولا قوة لها بكل الوسائل، إعلاميا و أمنيا…و مؤازرة هذا السرطان الوهابي التكفيري.
    ….

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

أثبت أنك بشر .. هههه *